|

|
رندة القيسي
Randa Alqaisi
مدينة القدس التي لم أرها قط .أفكر فيها دوما وأحاول
أن
أرسم لها صورة من خلال الصور عنها أو من خلال ما أعرفه
عنها في القصص والأغاني
القدس أجمل ما تكون في الليل طبعا ففيها المساجد
والكنائس
القديمة التي تنيرها القناديل في الليل، ضوء هذه
القناديل سينعكس على شوارعها الهادئة-
هادئة لأن أهل هكذا مدينة سيكونون أناساً في غاية
الهدوء لأن قلوبهم يملؤها الأمان
والإيمان، ينعكس على وجوههم نور القناديل. وأيديهم
يملؤها الغبار لأن في طريقهم دوما
أروع الزخارف بتلك الألوان الجميلة فتمتد أيديهم إليها
دائما للمسها مندهشين
لروعتها لانحناءاتها لزواياها لذلك الإحساس بالقوة
الذي يمتد إلى قلوبهم عبر شرايين
أيديهم حالما تقترب من هذه الزخارف وهذه الجدران
القديمة. يزداد هذا الإحساس جمالا
عندما تلتقي جدرانها القديمة تلك الأشجار العالية
الأسطورية وعليها أزهار تعبق
بأجمل العطور وتلك العصافير التي اتخذت كما الإنسان من
هذه الأشجار سكنا لروحها
وراحتها.
في ليالي القدس لا ترى قمرا واحد بل أقمارا ولا تشتم
عطرا واحدا
بل عطورا فالبخور حاضر دائما مع رائحة الأزهار ورائحة
القهوة والشاي . لا ضجة
سيارات في القدس فشوارعها ضيقة وأرضها ليست مستوية
فيها الكثير من الحفر الصغيرة
بسبب مياه الأمطار. وأهلها ليسوا بكسالى فمن يسكن تلك
المدينة يجب أن يحب السير في
شوارعها. وبيوت الناس متلاصقة ببعضها، حميمة تلك
العلاقة بين بيوتها فقد قضت
زمنا طويلا متلاصقة إلى جوار بعضها بعضا. حتى أن أيدي
الأطفال تمتد من نوافذها - حذرة هناك برغي صدئ
قديم قد يسقط من الزاوية العلوية -فتمسك أيدي أطفال
الجيران.أطفالها يحبون اللعب
كثيرا في شوارعها ويمضون وقتا طويل خارج البيوت
المعتمة القديمة فهناك مبان جديدة
قد حجبت نور الشمس عن هؤلاء الأطفال-تلك الشمس التي
غير كل الشموس في العالم كله
فللقدس شمسها الخاصة فهي هناك لا تحرق، فقط تضيء، تضيء
درب الأطفال. هناك ترى
الكثير من العجائز مجتمعين حول فنجان من القهوة أو
الشاي على طاولة قصيرة الأرجل
بنية اللون تسمع أحاديثهم عن أيام البلاد.
في حهة أخرى من القدس ترى
مبان بشعة جدا تحمل كلها ذلك التصميم الحديث ذاته،
فكلها
لونها أبيض وتلك الحدائد على النوافذ وعلى الشرفات ذات
اللون الأسود المعتم كأنها
سجن كبير تحبس نور السموات ونور الشمس حتى نور القمر
حجبته.هناك في ذلك الجزء من
المدينة لا هدوء. ضجيج عال للسيارات أيدي الناس لا
تحمل الغبار؛ تحمل سوادا من دخان
السيارات لا ترى أطفالا يحبون اللعب في الشوارع بل لن
ترى أطفالا في الشوارع فكلهم في تلك
الحدائق البلاستيكية التركيبة التي يصنعها الإنسان أو
في المدارس التي حرم منها أطفال القدس الشمسيون .
في القدس الخضرة في كل مكان تأبى الأزهار أن تترك
مكانا يخلو منها . فتراها بين حواف الجدران تراها في
ذلك اللقاء بين الأسوار والشارع بل حتى في وسط الطريق
تراها .سماء القدس مليئة بأحلام الطفولة التي تجعل
المدينة العتيقة قادرة على تحمل تلك الأسلحة الثقيلة
التي تطأ أرضها المباركة فتدوس أزهارها .وتتحمل تلك
الطائرات التي تخطف نور قناديلها من أعين الأطفال ومن
عيون المساجد والكنائس الطيبة التي تتردد فيها أصوات
المصلين ،تدعو الله من أجل غيث يغسل السواد كما يفعل
في كل عام حتى يأتي يوم يذهب هذا السواد إلى الأبد.
|
|
|